صبحي الصالح
141
مباحث في علوم القرآن
لأحسن القصص « 1 » ، وما في ذلك مكان لعجب ، كما لم يكن في سؤال اليهود عن ذي القرنين موضع لعجب ، حتى قال قتادة : « إن اليهود سألوا نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذي القرنين ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ : قُلْ : سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً » « 2 » . لذلك لم نتشدّد في عبارتنا الموضحة للقسم القرآني الذي نزل ابتداء غير مبني على سبب ، فلم نجعل هذا القسم شاملا كل الوقائع الماضية بل أكثرها ، ولا شاملا كل القصص القرآني بل أغلبه ، ولا شاملا حتى كل مشاهد القيامة وتصوير الجنة والنار بل جل هاتيك المشاهد والصور « 3 » : فلا شيء يمنع أن يكون لبعض هذه النوازل أسباب ، ولكن لا مفر للباحث من أن يسلم بقلة احتياجها إلى هذه الأسباب حين يوازن بينها وبين غيرها من القضايا التشريعية والتوجيهية في كل من الميدانين الفردي والاجتماعي ، فما أقرب ما يفكر القارئ بسبب النزول إذا وقعت عينه على آية في أحكام العبادات ، أو المعاملات ، أو الحلال والحرام ، أو الغزو والجهاد ، أو الأحوال الشخصية ، أو الحقوق المدنيّة ، أو المعاهدات الدوليّة ، فما يفهم شيء من هذا إلا إذا ارتبط بسبب نزوله التاريخي ، وسلك في نطاقه النفسي أو الاجتماعي الذي كان سر مهبط الوحي فيه . وإذا غضضنا النظر عن بعض هذا الخلط غير المقصود الناشئ من مبالغة المفسرين بإدراج الوقائع الماضية في أسباب النزول ، واجهنا عقبات أخرى في صيغ الروايات المتعلقة بهذه الأسباب ، فليست عبارة الرواية الصحيحة نصا في
--> ( 1 ) يدل على ذلك أيضا أن سعدا يقول في حديثه نفسه بعد ذلك : فقالوا : يا رسول اللّه ، لو حدثتنا ، فأنزل اللّه تعالى : « اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً » ثم يعلق سعد على هذا بقوله : « كل ذلك ليؤمنوا بالقرآن » انظر أسباب النزول ( للواحدي ) ص 203 . ( 2 ) سورة الكهف . وقارن بالواحدي 225 . ( 3 ) من ذلك مثلا أن أبا العالية والضحاك ذكرا في نزول الآية ( في سدر مخضود ) من سورة الواقعة : أن المسلمين نظروا إلى واد مخصب بالطائف ، فأعجبهم سدره ، فقالوا : يا ليت لنا مثل هذا ! فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « في سدر مخضود » . أسباب النزول للواحدي 301 .